محمد أبو زهرة
1501
زهرة التفاسير
المجاهدين الذين استجابوا للّه ورسوله من بعد ما أصابهم القرح ، من أجر لا يضيع ، وعمل صالح يرى ، وقول طيب هدوا إليه يسمع ، وقد قال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ . وفي هذا النص الكريم رد على شماتة المنافقين ، وتحريض للمؤمنين ، وتقرير لحقيقة إسلامية ثابتة ، وهي أن الاستشهاد في سبيل اللّه تعالى ليس فناء ، بل هو بقاء ، وأن الموت ليس إنهاء للحياة ، ولكنه امتداد لها بصورة أكمل وأبقى ، أو بعبارة أخرى هو انتقال من دور الحياة المادية إلى دور الحياة الروحية حتى تكون القيامة ، وتجزى كل نفس بما كسبت ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . نهى اللّه سبحانه وتعالى نبيه الأمين عن أن يظن أي ظن بأن الذين قتلوا في سبيل اللّه تعالى أموات بل هم أحياء ، والتأكيد هنا تأكيد للنهي ، أي أن اللّه تعالى ينهى نبيه نهيا مؤكدا عن أن يظن ذلك الظن ، ف « نون التأكيد » ليست لتأكيد الظن المنهى عنه ، بل هي لتأكيد النهى ، كما يقال : لا تفعلن كذا ، فليست النون لتأكيد الفعل ، بل هي لتأكيد النهى ، ولا شك أن نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى لغيره ، وغيره أولى بهذا النهى منه وأجدر ؛ لأن الناس منهم من ظنوا باللّه الظنون ، وقد أصابتهم حسرة شديدة ، وبعضهم أصابتهم خيبة آمال ، ومنهم من كان في ألم شديد للذين قتلوا منهم ، وقد وجه النهى للنبي صلى اللّه عليه وسلم ابتداء ليكون انتهاء النبي صلى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة لهم ، والنبي أقرب البشر إلى اللّه سبحانه ، فنهيه فيه تأكيد النهى لغيره . والذين قتلوا في سبيل اللّه تعالى هم الذين قتلوا في سبيل الحق والدعوة إليه ، سواء أكان ذلك في ميدان القتال ، أم كان في ميدان الدعوة إلى اللّه تعالى وإلى صراط مستقيم ، وكل داع للّه إذا قتل في سبيله أو مات في طلبه فهو قد قتل في سبيل اللّه تعالى ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » « 1 » فمن قتل في هذه السبيل فقد قتل في سبيل اللّه تعالى .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .